كتاب الوصــــايا
شعر: عمر إدلبي
الوصية الأولى
ستعبرُ هذه الدنيا
وحيداً
مثلك الــ عبروا.
فلا تترك بصدرك نسمةً
إلا وقد طيّرتَها حباً
بصحبةِ طيفِ من وعدوا
وما حضروا.
وحيدٌ أنتَ
لكنَّ الأحبَّةَ وردُ سورِ العمرِ
فاغفر شوكَهم
وسعَ العطورِ بزهرهم
واسْتَفْتِ قلبكَ
في بريق عيونهمْ
إمّا لكَ اعتذروا.
**
هو الحبُّ
اختبارُ جنوننا بالرقصِ
فوق غمامةٍ
في الريحْ.
تجلّي الله
في قطراتِ ماءٍ
لانتظارِ جريحْ.
يربِّينا على مَسح الدموعِ
برمش أمنيةٍ
ويفدي حزنَنا
كَمَســـيحْ.
**
هو الحبُّ
اعتذارُ الغيبِ
عن نقصِ الخلودِ
بفكرة البشريّ.
عتابٌ هادئٌ لرتابة الأوزانِ
في نَصِّ الحياةِ
وأسرِ قافية الزمانِ
وسقفِهِ القسريّ.
هو الحبُّ
انتباهٌ مخلصٌ للنارِ
في الأرواحِ والأجسادِ
قبل رمادها الجبريّ.
**
نحبُّ
لأنه لا بدَّ من قمرٍ
لهذا الليلِ
يُنشدُ نصَّه الساحرْ.
نحبُّ
لأنَّه لا بدَّ من وردٍ
نفيءُ إليه من شوكٍ
يسوّرُ عمرَنا العابرْ.
نحبُّ
لأننا نخشى على نبضاتنا
من صمتها الغادرْ.
**
نحبُّ
فنمنَحُ الغيماتِ
فرصةَ أن تسابق ماءها
للعشبِ،
تعشقُ مثلنا
وتَغَـــارْ.
نحبُّ
فنتركُ الأرضَ احتمالاً
أخضراً
لتفتُّحِ الأحلامِ
بين أكفِّ من يأتي
كـأنَّ مـدارها الأزهـارْ.
نحبُّ… فَنُخْجِلُ الدنيـا
من التلويـح بالأقـدارْ.
كأن الحبَّ حُجّتُنا الوحيدةُ
في جدارتنا
بوقتٍ آخرٍ
لنكمّلَ المشوارْ!!
***
الوصية الثانية
ونحلمُ
لا ليمضي الليلُ
نحلم كي نسابقَ وقتَنا للغـدْ.
ندرّبُ جنحَنا
ونعدُّ حصَّتَهُ من الأشراكِ
إذ لا بُدّْ.
وما من قصةٍ في الحلم تكتبها
وتخشى أن يُقامَ على الحروفِ الحَـدّْ.
وعمّا موعدٍ ستجرّبُ الدنيا
امتحانَ خطاكَ
فامشِ وراء فطرة حلمكَ الغالي ولا ترتدّْ.
**
هي الأحلامُ..
لا وِرْدٌ سواها
يقطف الألطافَ
من صوفيّةِ الإحساسْ.
حلولٌ مُشرقٌ للغيبِ
في صحواتنا الأحلى
بلا حُجُبٍ.. ولا حُرَّاسْ.
هبوبٌ خاطفٌ
لحَواسِنَا الحسنى
يَدُقُّ لجنحنا الأجراسْ.
هي الأحلامُ..
ليس كمثلها غيمٌ
يوزّعُ ماءَهَ بالعدلِ
بين الناسْ.
**
هي الأحلامُ..
حبرُ كلامك الشفافُ
سِرُّكَ بين مختلفين منكَ
على شؤون البوحِ
بالنّاياتْ.
حنانُ أصابعِ النّدم الخفيفِ
على جبين الذاتْ.
هي الأحلامُ
صورتُنا التي لا نلتقي بجمالها
في صفحة المرآةْ.
بلاغتُها التماعاتٌ
كأنَّ بصيرةً قَطَفَت من الآتي كشوفاً
دونما قسماتْ.
فَحدِدْ في التماع الحلمِ أرضاً
قبل أن تخطو على ماء البحيرةِ
وانتظر قمراً
رشيقَ الضوءِ في الغاباتْ.
**
وتحلمُ مثلك الكلماتُ
تحلمُ بانشقاق ِ البحرِ عن أفق ٍ
تقيس جناحَها بمداهْ.
فإن نامت بحضنِ الصمتِ
فاتركْها لبعض شؤون غفوتها
لها أن تسألَ الأحلامَ
عن معنىً يُراودها، ولا تلقاهْ.
ومثلك
تمسك الكلماتُ شوكَ مجازها
بِيَدَينِ من قلق ٍ
ويجرحها سياجُ الخوفِ
إن حدّثتَها عن صوتهِ
وصـــداهْ.
**
فحدِدْ وجهةَ الكلماتِ
بلّلها بماء الروحِ
قبل خروجها
من لوحها المحفوظِ
في صدركْ.
وَدَرِّبْها على حريّة الأطفالِ
في مَدِّ الأصابعِ لالتقاط البدرِ
واصقلْ حَدَّهَا
بيقينِ أنَّ الموجَ محمولٌ على بحركْ.
تَفَقَّدْ ريحَ فِتنتِها،
وعلّمها
ـ بحكمةِ نسمةٍ صيفيّةٍ ـ
فنَّ المرورِ على الزهورِ
فإن أَنِسْتَ لرشدها
فاتركْ لها زوجينِ
من وَردِ المعاني
واطمئنَّ على خزائنِ دُرِّكَ المكنونِ
في عمركْ.
**
لنا أسماؤنا
أحلامُ من وَلَدوا بزهرِ خلودهم
في شجرة الأولادْ.
حروفٌ من حفيفِ عُبورهمْ
عَلقَتْ على أغصاننا،
لكأنَّنا أجراسُهم
تبقى
وتمضي ليلةُ الميلادْ.
ونعبرُ..
وحدها أسماؤنا.. الكلماتُ
تحرسُ عشبَنا الباقي
من الأجسادْ.
***
الوصية الثالثة
ترفَّقْ بالترابِ
وأنت تلثمُ خدَّهُ بخطاكَ،
هذي الأرضُ مركبكَ الأخيرُ
إلى قصور الشمسِ
آن العمرُ من كفّيكَ ينسربُ.
ترفَّقْ باستكانتهِ
فإن نَدَاهُ دمعُ العابرينَ
وعُشـبَهُ هُدبُ.
ترفَّقْ بالبلادِ وحزنِها العالي
عُلُوَّ الريحِ
لا أســوارَ
إلا قامـة الأبناءِ تنتصـبُ.
**
كما لو أنَّها لَيْلاكَ يا مجنونُ
غازِلْها.
كما لو كنتَ آخرَ حبّةِ العنقودِ دَلّلهَا.
كما لو كنتَ أنتَ الليل
جَدِّلْ شَعرَهَا
واسكنْ برمشيها وَكَحِّلهَا.
كما لو كنتَ وحدَكَ غيمةً
فاهبطْ.. وظَلّلهَا.
**
وسمِّ رغيفَ خبزكَ
باسمِ سُمرتِها.
وفجـركَ باســم طلّتِـها.
وصوتَك بالوضوحِ السّرمديّ
لرنَّةِ الخلخالِ
في خطوات مشيتِها.
وسرَّكَ باسم لُغزِ الليلِ
في أمواج غُرّتِها.
**
سيحدثُ أن تبوحَ بسرّها
للريحِ،
يحدثُ أن تُصابَ بعارضِ السَجّانْ.
وتلمحَ بين رمشيها أسىً
من دورة الأزمانْ.
فدعْهَا تحتجبْ حُلمَينِ،
واحرس جفنَها
من ملحِ دمعتها الحزينةِ
وانغرسْ في كفّها
علَمَاً
إلى أن تطويَ الأحزانْ.
**
بلادٌ حين نُشبهُها
يسيلُ الوردُ في الشريانْ.
لها دَيْـنُ الهواءِ
وأمّهِ الزرقاءِ
في أيّامنا
ولها دمانا ما أرادتْ
أن تزيّنَ ثوبَها
بشقائق النعمانْ.
فإن ضَلَّتْ
فنحن الليلُ يغمرها،
وإن رَشدَتْ
لنا من صُبحها دنيا
بزينتِها،
بلادٌ كلما شابَتْ
تفيءُ إلى عذوبتها
وتحملُ من جديدٍ صخرَ فتنتها
كأنَّ سقوطَها ما كانْ!!
***
الوصية الرابعة
اليوم أنـت هنـا
وحاضرُك الرهانُ.
وغداً… بدائرة احتمالٍ
قد تدينُ له بقصِّ شريطِ صبحٍ
أو تُدانُ.
لا نهرَ يرجع مرتينِ
فَكُنْ كما قصبٍ يحنُّ… ولا يئنُّ
فليس ينتظر الزمانُ.
**
هي دمعةٌ وتمرُّ
كي تَـندى جذورُ الروحِ
في بريّة الأيامِ
فالأحزانُ وَعدُ.
هي دمعةٌ.. وتمرُّ
مثل الأصدقاء الخائبينَ
فلا تفسّرْها بعاصفةٍ من النّاياتِ
فَسّرْها برقّةِ عاشق ٍ
يُبكيهِ وَجْدُ.
للحزنِ أن يهمي رذاذاً
لا يفيضُ.. ولا يزيدُ على ندوبٍ
حين يبدو.
**
لا وقتَ يرجع مرةً أخرى
لتسألَ:
منذُ كم ماضٍ سهوتُ
ولم أفكّرْ في ظلالي؟
هل ما تزالُ تَنوءُ
من دورِ الممثِّلِ في خيالِ الظلِّ؟
أم هَجَرَتْهُ
وانصرفَتْ لتشبهَ ذاتَها؟
أم أنَّها انكسرتْ… كحالي؟
لا مرةً أخرى لظلّكَ
فاستَعِدْهُ
قُبيلَ منحدرِ الغيابِ
وكُنْ له جنحاً
ليصعدَ مثلما غيمٍ
على درجِ الجبالِ.
هي برهةٌ…
لا هدنة أخرى
لنملأَ روحَنا
من عنبر النسماتِ
والألوانِ
والأشجارِ
والأشعارِ
قبل مرور سهمٍ خاطفٍ
ما بين أضلاعِ الغزالِ.
**
لا تطمئنَّ لحبرِ عمركَ
قد يجفُّ
وما استوتْ في عرشها الأَلِفُ.
فاتركْ على خَدِّ الأحبّةِ
ما استطعتَ من الرسائلِ
قبلَ ليل الوقتِ ينتصفُ.
قد لا يمرُّ بك الصديقُ
غداً
ويسبقُكَ الترابُ إلى احتضانِ لقائهِ
فاحفظْ تفاصيلَ ابتسامتهِ لشـوق ٍ
مثلُهُ التلفُ.
لا تطمئنَّ كما اطمأنَّ العابرونَ،
مضوا
وفي أقلامهم أشعارُهم
ظلّت مؤجلةً لوقتٍ
لم يَعِدْ مِنْ قَبلِهم أحداً
بردِّ زيارةٍ
لكنهم غَفِلوا… وقد عرفوا.
فاغفرْ…. كأنَّكَ لن تكون غدا..
وارقُصْ…. كأنَّك عاشقٌ أبدا…
واحلمْ……كأنَّ العمرَ قد وُلِدا..
واتركْ رؤاكَ على هواكَ
كأنَّ قلبَكَ وحدَهُ رشدا
وعليكَ وحدكَ تنزلُ الصُحفُ.
***
الوصية الخامسة
ما إنْ تجرّبْ صهوةَ الدّنيا
تُجرّبكَ العواصفُ
والحَرونُ من الجبالِ.
فاحمِلْ من العثراتِ ذكراها
ولا تحمل صداها فوق ظهركَ
ما استطعتَ
ولو تَكَسَّرَتِ النّصَالُ
على النّصَالِ.
هفواتُنا تمضي
ويبقى أن نُعمِّرَ كاملَ الغَدِ
بالأماني
والجمالِ.
**
وتأمَّلِ الأرضَ الدؤوبَ
تكرّرُ الهفواتِ من دهرٍ
وما زالتْ تدورُ.
تَتَكَرَّرُ الواحاتُ فيها
والسرابُ.
تتكررُ الغاباتُ
والحطّابُ.
يتكررُ الصيّادُ
والعصفورُ.
تتكررُ الأصفادُ
والمقهورُ.
ولأنها أبداً تدورُ..
يتكررُ الأطفالُ فيها…. والقبورُ.
ستدورُ هذي الأرضُ
ما دمنا نغنّي
كلّما انكسرتْ جرارُ الغيمِ
وانتبهت جذورُ.
**
ستدورُ
ما لم يفرغِ الغاوونَ
من وصف المليحةِ
في الخمارِ الأسودِ.
وتدورُ
ما لم يَنْجَلِ السـرُّ العصيُّ
لناسكٍ متعبّدِ.
ستدورُ… من دهرٍ تدورُ
ولم تقف يوماً
لتَعْتَبَ من ملاوعة النسائمِ لليدِ.
ستدورُ ما دامت خطانا مخلصاتٍ
للرؤى
مهما تروحُ وتغتدي.
**
أخطاؤنا …
برهانُ أنّا سوف نُلدغ من رؤانا
مرتينِ …
ومرتينِ..
بلا عتابٍ جارحٍ
يقسو على القلبِ الجسورِ.
أخطاؤنا
خطواتُنا الأولى
إلى السِرّيّ في البشريّ
والمكتوبِ ما بين السطورِ.
لكأنَّها سردٌ حداثيٌ
للُعبَتنا القديمةِ
في الخروجِ على النصوصِ
وكشفِ ما خلف الستورِ.
أخطاؤنا
أبناؤنا العاصونَ،
رَميتُنا على الواحاتِ
حين تصيبُ ساقَ الرملِ
نحفظُها
ونحفظُهم
كَسِـرٍّ في الصدورِ.
**
ستدورُ هذي الأرضُ
حتى يسكَرَ الجرسُ المخبَّأُ
في الضلوعِ من الرنينِ
نكايةً بتواطؤِ العمرِ القصيرِ
مع الغيابِ.
وستخطئُ الخطواتُ وجهَتَها
فلا معنى لماءٍ بعد صحراءٍ
إذا كفَّ السرابُ عن السرابِ.
ستدورُ…
والأبعادُ تَكْسِرُ سورَها
فلربّما أخطاؤنا احتُسِبَتْ
بدائرة الصوابِ!!
***
الوصية السادسة
كُنْ أنتَ…
يَبْزغ من ظلالكَ سِنديانٌ
طاعنٌ بالأرضِ
تحضنه سماكــا.
وابحث عن الفردوسِ فيكَ
فإنَّه زهرٌ تفتّحَ
في هواكـا.
بِيَدَيكَ
تقترح النسيمَ على العواصفِ
والنوافذَ في الجدارِ
على البيوتِ
وأنت تقترحُ البكــاءَ
أو الغنــاءَ
على رؤاكــا.
هي كلها كلماتُكَ الأغلى
فدوّنها بماء الروحِ
واقترحِ البدايةَ
والخواتيمَ المُضيئةَ,
والجهاتِ
على خطاكا.
كُنْ أنتَ
كيما ترسمَ الأكوانُ صورتَها
بحبرِ صفاتك الحسنى
وتحفظَ من سطوركَ
جوهرَ الأشكالِ
والأبعادِ
والأشجارِ
والأمطارِ,
والدُّرَرِ البهيّةِ
في النُّقوشِ السُّكريَّةِ
تحتَ أثوابِ الحبيبةِ,
كلُّ هذا الفيضِ مُنوَجدٌ بذاكــا.
**
ولأنَّ روحَكَ
– لا أقلَّ –
يَدانِ من نورٍ ونارٍ
إِنْ رَمَيتَ, رَمَيتَ,
لا السّرُّ الخَفيُّ,
ولا القضاءُ.
ولأنَّ جسرَكَ من خُطاكَ
وَمِنْ رُؤَاكَ
لَكَ الأمامُ … أو الوراءُ.
هِيَ رحلةٌ .. وكفى،
فَقُلْ للنور:
كُنْ فرساً لظلّيَ
كي تليقَ بما تشاءُ.
**
كُنْ أنتَ
يَنتبه الزمانُ إلى خطاكَ،
وتبدأ الأحلامُ في كفَّيكَ رقصتَها
على مرأى الظلامْ.
هي رحلةٌ…
لا شيءَ أكثرَ بعد صحوات العبورِ
إلى الغيابِ وغَيبِهِ
قُلْ للهواءِ, يَكُنْ,
فلا مَسرى لهُ إلاّ جهاتكَ
في الختامْ.
وامنَحْ رؤاكَ جناحَ تَوْق ٍ
للسماواتِ العُلى
إن رمت َسدرةَ ما يُرامْ .
***
الوصية السابعة
وأقـولُ قـوليَ
في الوصـايا،
والسّــلامْ.
* * ** ** *
ربيع العام 2008